الجمعة, 27 يونيو 2014

حين تتحول السفسطة الى سياسة وتتحول السياسة الى سفسطة!!

حين تتحول السفسطة الى سياسة وتتحول السياسة الى سفسطة!!

في القرن الخامس للميلاد ظهرت مدرسة فلسفية تسمى السفسطائية كانت في الأصل مؤسسة لتعليم الناس فن الخطابة لان الحياة الديمقراطية في المدينة اليونانية كانت تستلزم هذه المهارة مهارة الإقناع.
لم يكن لدى السفسطائيين عرض فلسفي و سياسي خاص بل إنهم كانوا محترفين لفن الخطابة وتعليمها للناس.
كانوا في الحقيقة يسترزقون بهذه المهنة ولا أحمل كلمة الاسترزاق أي معنى قدحي في حالة السوفسطائيين .
تبلورت مع المدة لدى السوفسطائيين بسب ممارسة هذه المهنة نزعة فلسفية شكية أو لا أدرية ، فصاروا يقولون بنسبية الحقيقة وأن " الحقيقة هي بالنسبة لي كما تبدو لي ، كما أنها بالنسبة لك كما تبدو لك " ، وهي النزعة التي ستسمى عند علماء المسلمين وفلاسفتهم ومتكلميهم بعد ذلك ب ّ اللاأدرية ّ " ومذهب " تكافؤ الأدلة " .
انبرى سقراط وافلاطون وأرسطو بسبب هذه النزعة الشكية اللاأدرية للدفاع عن العقل وأدلته وعن المنطق ، وانتهى أرسطو الى تقعيد مناهج الاستدلال واضعا بذلك أول صيغة من صيغ المنطق أي المنطق الصوري الذي ظل الأداة المنهجية العقلية التي يتحاكم اليها المفكرون قبل ان تتبلور مناهج جديدة للاستدلال مع المسلمين ثم بعد ذلك في عصر النهضة الحديثة مع فرانسيس بيكون وغيره .
مع توالي الأيام والحقب التاريخية لم يعد مصطلح السفسطة يحتفظ في الاستعمال العام بهذا البعد الفلسفي بل انه احتفظ فقط بذلك البعد السلبي أقصد ذلك الاستعداد للدفاع عن المتناقضات والانتقال بسهولة من موقع الى موقع
ليس الغرض من هذا المقال الرجوع بالقراء الى الدروس الأولى التي تلقيناها في تاريخ الفلسفة . ولكن ما دفعني الى الرجوع الى السوفسطائيين هو قراءتي لمقال للسيد بن شماس هاجم فيه الأستاذ عبد الاله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بسبب أنه نعث الحزب الذي ينتمي اليه بن شماس بأنه يحمل بصمات الخطيئة الاصلية !! ودعاه إلى حل نفسه .
لقد شبه السيد بن شماس الأستاذ عبد الاله بن كيران بأحد الفلاسفة السوفسطائيين المسمى " انتيفون " واعتذر للسوفسطائيين لأنهم على حد قوله كانوا يؤمنون بحرية التفكير والمساواة في الحقوق وبالرأي والرأي الآخر وأنهم أسسوا ثورة معرفية قائمة على التحرر والنقد ونسبية المعارف والأخلاق والبحث المتواصل عن دعائم جديدة للحقيقة والأخلاق العقلانية .
بن شماس حاول عبثا بناء جسر بين تلك الصورة "المضيئة" للسفسطة وبين الحاضرالسياسي ، أي بذلك الكائن التحكمي الذي سماه البعض ذات يوم بالوافد الجديد " ، معتبرا إياه نتاجا لعرض سياسي قدمته حركة لكل الديمقراطيين،!!!
هذه " الخلطة" التي تحمل خطيئة النشأة الأصلية في مخابر التحكم ، يقول عنها بن شماس إنها جمعت ولم يقل لنا كيف " رجالات ونخبا ومناضلات ومناضلين من مدارس وآفاق سياسية ومهنية مختلفة ومتنوعة على أرضية مشروع مجتمعي ينشد الديمقراطية والحداثة ؟؟ ويجتهد في سبيل إبداع صيغة مغربية – مغربية لنسج التوليفة الديالكتيكية الخلاقة بين مقومات أصالتنا الضاربة جذورها في عمق تاريخنا وبين متطلبات المعاصرة والحداثة !!!
هكذا إذن وبجرة قلم يعود بنا بن شماس الى الأصل في السفسطة أي البجاحة في الخطابة وإظهار القدرة على الإقناع بالشيء ونقضيه !
يريد أن يقنعنا بأن عمليات الإبادة والابتلاع التي مورست بالقهر والتخويف في حق مؤسسات حزبية كاملة وأشكال الإرهاب التي مورست مورس على رموز وقيادات بعض تلك الأحزاب والمؤسسات وفبركة الاغلبيات ومجالس المدن تحت سيف الترهيب والترغيب يمكن أن تسمى عرضا سياسيا !!
يريد بن شماس أن يقنعنا بأن الأمر يتعلق بعرض سياسي قائم على مشروع مجتمعي ينشد الحداثة من خلال الجمع بين فاشلين من مناضلي اليسار العدمي الذين أصبحوا يبحثون عن مواقع في الدولة ، وكان كل شيء جاريا من أجل تهيئة المناخ لهم بأن يقفوا على أشلاء الاحزاب التقليدية ، ويرثوا تركتها بعد أن يتم نعيها إلى دار البقاء ، بدعوي تجميعها في مواجهة "الظلامية " ,
يظن بن شماس أن الطبقة السياسية التي بدأت تعاودها مشاعر الفزع من " الوافد الجديد " بعد أن لعبت لعبة الاستدراج الى التشويش وخلط الاوراق ، يمكن أن تصدق السفسطة ، أو أن تصدق أنها مدعوة لحلف تاريخي " مقدس " من أجل مواجهة مخاطر الحزب "الظلامي "
يظن أنه من الممكن أن يصدق الناس أن الحداثة يمكن أن تخرج من جلباب التحكم والإكراه ، يظن أن الطبقة السياسية التي تتابع وتلاحظ ظهور مؤشرات متعددة لعودة حليمة الى عادتها القديمة وبوادر مقلقة بعودة للأساليب التي سبقت وتلت الانتخابات الجماعية سنة 2009 ، أي ا استخدام وسائل الدولة وبعض مواقع النفوذ والتأثير وبعض " الخلايا النائمة " في عدد من مستويات السلطة والإدارة وفي بعض قنوات القطب العمومي يمكن أن تنخدع بالسفسطة !
يظن بن شماس أن بإمكانه أن يتقمص بسهولة شخصية الفيلسوف السوفسطائي ,ان نسلم له بأن الحقيقة لها أكثر من وجه وأنها يمكن أن تتجلى بوجوه متنافرة متناقضة ، وأنه يمكن الجمع بين المتناقضات ، في سقف حزبي واحد وفي مشروع سياسي بين الشيء ونقيضه لا يصمد أمام منطق العقل كما بناه أرسطو بدعوى " التوليفة الديالكتيكية الخلاقة بين مقومات أصالتنا الضاربة جذورها في عمق تاريخنا وبين متطلبات المعاصرة والحداثة "
كيف يمكن للسفسطة أن تقنعنا بأن الحداثة والديمقراطية يمكن أن تجتمعا تحت سقف واحد مع الترحال السياسي ؟ كيف يمكن أن تقنعنا بمنطق يقبل بإمكانية اجتماع مناضلين قادمين من اقصى اليسار تحت مظلة سياسية واحدة مع مناضلين أو أعيان من أقسى اليمين أو لا موقع لهم سواء في اليمين أو الوسط أو اليسار ؟ .
كيف يمكن أن نقتنع بأنه من الممكن لحزب ولد بعملية قيسرية أن يكون وجوده وجودا عاديا فصار في مهب الريح بعد أول عاصفة من عواصف الربيع الديمقراطي ودخل غرفة الانعاش والعناية المركزة خاصة إذا رجع إلى معاودة تصرفات تذكر بخطيئة النشأة الأصلية غير الطبيعية؟
شخصيا لست مع الدعوة الى حل اي حزب ولا مع حل حزب بن شماس ، لأننا أول حزب واجه عاني من دعوة الحل من قبل آلة التحكم مباشرة بعد الاحداث الإرهابية لسنة 2003 ولأني أعتبر أن أكبر صورة للعزل السياسي هي العزل الذي تمارسه الجماهير بوعيها ورفضها للمسوخات السياسية .
لكن ذلك لا يمنع من دعوة الحزب الى ممارسة نقد ذاتي إذا أراد أن يتحول الى حزب عادي وذي مشروع سياسي مجتمعي حقيقي. وذلك يقتضي أن يعول على قوته الذاتية وليس على الدوباج السياسي ، أي أن يعتمد على خلاياه التنظيمية التي تعمل فوق الأرض وفي واضحة النهار وليس على " الخلايا النائمة " للتحكم في مختلق مستويات الادارة!!

 

استطلاع الراي

الغاء دائرة مولاي يعقوب بسبب الإساءة الى رئيس الحزب في الحملة الانتخابية قرار :

يسهم في تخليق الحياة السياسية والحملات الانتخابية - 61.4%
سعي لإظهار حياد المجلس بعد الغاء مقعد سيدي أيفني - 11.2%
قرار عادي وتطبيق للمقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب - 22%

Total votes: 1394
The voting for this poll has ended on: يونيو 20, 2016
في الاستماع اليكم

الموقع الرسمي للأستاذ محمد يتيم © 2017
Développé par NOOV