الأربعاء, 08 أكتوير 2014

في الوعي الشقي (3) نزعة التمركز الذاتي والفئوي والوعي الشقي

في الوعي الشقي (3) نزعة التمركز الذاتي والفئوي والوعي الشقي

العقل والغريزة مكونان أساسيان في التكوين البشري وعمادان من اعمدة العمران . لولا الغريزة دافعا ومحركا لما استمر النوع البشري ولا العمران الانساني ، الغريزة بمعناه الواسع اي بأبعادها الواسعة جثمانية جسدية بيولوجية او انفعالية نفسية
لكن الغريزة لوحدها لا تقيم مجتمعا ، هي شرط لوجود قطيع او قيام "مجتمع " طبيعي يتصرف وفق قوانين بيولوجية ويتحرك وفق شفرات موروثة سلفا في تكوينه الجيني لا مجتمع يقوم على اساس مبادئ الحق والقانون والعدل الاجتماعي .

عند الانسان الغريزة ليست سوى مكون من مكونات بنائه النفسي والعقلي . هي المادة الخام والطاقة المحركة التي يتم تهذيبها كي يحل العقل محلها تدريجيا في تكييف السلوك الانساني وبمساعدته الثقافة والقيم وبذلك يتحدد الخط الفاصل بين عالم الحيوان والانسان
وفي التطور العقلي والنفسي للطفل فان الغريزة والدوافع تجعلانه في البداية متمركزا حول ذاته لا "يفكر" الا من خلالها ، فخلال السنوات الاولى من حياته لا يدرك الطفل ان للآخرين وجودا وحقا كما لا يستطيع ان يستوعب لذاته ولتصرفه حدودا تنتهي حيث تبتدئ حقوق الاخرين وحيث توجد ذواتهم ، لذلك تعبر نزعة التمركز الذاتي عند الطفل في عدد من التصرفات حيث يميل مثلا الى الاستحواذ على كل شيء حتى لو كانت لعبا لأطفال اخرين ، ويصرخ ويتمرد اذا حيل بينه وبين ذلك محتجا ومطالبا ب "حقه " قبل ان ينتبه تدريجيا الى انه هناك فرق بين " الرغبة " و"الغريزة " بين " المصلحة " الذاتية وبين النظام ، وان هناك حدودا لذاته وتصرفاته وقواعده وجب احترامها هي اساس الوجود المشترك .
تبدأ بالتدريج في التشكل لدى الطفل فكرة القواعد الاجتماعية والواجبات الأخلاقية . تتلاشى تدريجيا فكرة " الحق المطلق " لتحل محلها الحقوق المرتبطة بالواجبات ، والحقوق التي لا تكون على حساب حقوق الاخرين .
تتلاشى أيضاً فكرة الحق المبنية على القوة او الحق الطبيعي السائد في شريعة الغاب لتحل محلها الحقوق القانونية المقيدة بقيود التعاقد الاجتماعي بما يرتبط به من واجبات ومسؤوليات ، مما يستتبع انه ليس كل رغبة او حاجة او قضية تحسينية او كمالية تستتبع حقاً خاصة اذا كان على حساب الاخرين خاصة حقوق أولئك الذين لا يمتلكون المهارة او القدرة على الدفاع على حقوقهم ، ومن هنا تأتي فكرة التضامن الاجتماعي .
النظام التربوي والأخلاقي في الاسلام قائم على تهذيب الغرائز وانسنتها .فمع الاعتراف بقوتها وسلطانها وضرورتها أيضاً ( عزيزة الجنس ، غزيرة التملك ، غريزة الجاه والوجاهة ، عزيزة حب البقاء والخلود ) الا انه عمل على تهذيبها وتنظيمها وفق قواعد تضمن ممارستها بطريقة إنسانية مهذبة وخادمة لاستمرار العمران واستقراره .
كما عمل على التحذير من العوامل المدمرة للعمران وهي باختصار مختلف مظاهر السلوك المتمركزة حول الذات وانانيتها المفرطة كما أشار الى ذلك حديث ابي ثعلبة الخشني اي هوى متبع وشح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذي راي برايه . ففي هذه الحالة يصبح استمرار المجتمع مهددا وتصبح امكانية المحافظة عليه اقرب الى الصفر
عن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له كيف تصنع بهذه الآية قال أية آية قلت قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام " الحديث رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه
النظام التربوي والأخلاقي في الاسلام كما يؤكد على اهمية اقامة العدل وطلب الحق لكنه أيضاً يؤكد على فضيلة الايثار خاصة
" للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " ( انظر الى الاشارة للشح )
النظام التربوي والاخلاقي يحذر أيضاً من الاثرة ويدعو الى مقاومتها وعدم مهادنتها لكن ذلك لا ينبغي ان يكون بحال مدعاة للاخلال بالواجبات التي هي حقوق الاخرين
فعن ابن مَسْعُودٍ رَحِمَهُ اللَّهُ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : " إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا " . قُلْنَا : فَمَا تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : " تُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي لَكُمْ "
ثلاثية الاثرة والعدل (اداء الحقوق والقيام بالواجبات ) والايثار ( تجاوز العطل الى الفضل واعتبار مصالح وضروريات المستضعفين الذين لا يستطيعون ضربا في الارض ) ثلاثية ذهبية اساسية لإقامة التوازن الفكري وتفادي السقوط في أحابيل الوعي الشقي بما انه صورة من صور الوعي المزيف ( الأيديولوجيا بمعناها السلبي )
واليوم تقدم كثير من الانانيات الفردية على انها مشاريع تغيير اجتماعية وتقدم كثير من المقاولات الانتخابية الخاصة على انها أحزاب سياسية وكثير من الدكاكين الجمعوية المفتوحة لالتهام المال العام القادم من دعم الجماعات او من الدعم الحكومي ( المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ) او من التمويل الاجنبي على انها تنظيمات مدنية .
وما تعرفه هذه الانواع من التنظيمات من صراعات وانقسامات لا تنتهي تقدم الدليل على انها مشاريع فردية رغم تغنيها بالدفاع عن الشعب ووقوفها الى جانب المستضعفين وحقوقهم
كما تقدم بعض المطالب الفئوية نفسها على اساس انها مطالب اجتماعية ، وليس المقصود هنا المطالب الفئوية المشروعة والمعقولة والممكنة التحقيق ، لكن المقصود هو المطالب الفئوية التي لا تنظر الى المصلحة الا من خلال المنظور الفئوي الضيق ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة او على حساب عدد من الفئات الاكثر تهميشا وضررا والتي لا تعرف كيف تدافع عن نفسها او ليست لها القدرة على ذلك بمعنى ان الحق مرتبط بالمصلحة والقوة وليس بالعدل والعدالة او التعاون والتضامن
هي كلها تعبير عن وعي زائف او وعي شقي لانها تعلي هواجس متمركزة حول الذات الفردية او الفئوية الى مرتبة الحق المطلق اي الحق الذي يفكر في المكاسب ولو كانت على حساب حق الجماعة وحقوق منهم اكثر استضعافا وحاجة . والنظر في واقعنا السياسي والنقابي يكشف صورا كثيرة من هذا الوعي المزيف ، والأخطر من ذلك ان ينطلي ذلك على بعض الشباب وبعض الفئات وان يروجوا لاطروحاته رغم انهم من ضحاياه ، وهو وعي شقي مزدوج من اللازم كشفه وتسليط الضوء عليه

 

 

استطلاع الراي

الغاء دائرة مولاي يعقوب بسبب الإساءة الى رئيس الحزب في الحملة الانتخابية قرار :

يسهم في تخليق الحياة السياسية والحملات الانتخابية - 61.4%
سعي لإظهار حياد المجلس بعد الغاء مقعد سيدي أيفني - 11.2%
قرار عادي وتطبيق للمقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب - 22%

Total votes: 1394
The voting for this poll has ended on: يونيو 20, 2016
في الاستماع اليكم

الموقع الرسمي للأستاذ محمد يتيم © 2017
Développé par NOOV